أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
82
العقد الفريد
وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ « 1 » . فهذه أبلغ الحجج وأحكم المواعظ . ثم مواعظ الأنبياء صلوات اللّه عليهم ، ثم مواعظ الآباء للأبناء ، ثم مواعظ الحكماء والأدباء ، ثم مقامات العبّاد بين أيدي الخلفاء ، ثم قولهم في الزهد ورجاله المعروفين به ، ثم المشهورين من المنتسبين إليه . والموعظة ثقيلة على السمع محرّجة « 2 » على النفس ، بعيدة من القبول ، لاعتراضها الشهوة ، ومضادّتها الهوى ، الذي هو ربيع القلب ، ومراد الروح ، ومربع اللهو ، ومسرح الأماني ؛ إلا من وعظه علمه ، وأرشده قلبه ؛ وأحكمته تجربته قال الشاعر : لن ترجع الأنفس عن غيّها * حتى يرى منها لها واعظ وقالت الحكماء : السعيد من وعظ بغيره . لا يعنون من وعظه غيره ، ولكن من رأى العبر في غيره فاتعظ بها في نفسه . ولذلك كان يقول الحسن : اقدعوا هذه النفوس فإنها طلعة « 3 » ، وحادثوها بالذّكر « 4 » فإنها سريعة الدثور ، واعصوها فإنها إن أطيعت نزعت إلى شرّ غاية . وكان يقول عند انقضاء مجلسه وختم موعظته : يا لها من موعظة لو صادفت من القلوب حياة . لابن السماك : وكان ابن السماك يقول إذا فرغ من كلامه : ألسن تصف ، وقلوب تعرف ، وأعمال تخالف . وقال يونس بن عبيد : لو أمرنا بالجزع لصبرنا . يريد ثقل الموعظة على السمع ،
--> ( 1 ) سورة يس الآية 77 - 79 . ( 2 ) محرجة على النفس : مضيقة عليها . ( 3 ) طلعة : كثيرة التطلع . ( 4 ) حادثوها بالذكر : اجلوها بذكر اللّه .